المؤتمر الدولي وحرب روسيا

معاهدات واتفاقيات

ورد أن الدول طلبت من تركيا هدنة في مصلحة الصرب والجبل الأسود فقبل الباب العالي ذلك مكرها فمالت السياسة الأوروبية لحرمان تركيا من ثمرة مجهوداتها وحفظ الحالة على ما هي عليه ورأت روسيا أن الوقت مناسب لإشباع أطماعها إذ بلغت تركيا من الضعف حداً يحسن معه أن تحاربها فاقترحت عقد مؤتمر دولي للنظر في شؤون البلغار والبوسنة ووافقتها الدول على ذلك. فعقد مؤتمر في الآستانة مكون من سفراء الدول برئاسة صفوت باشا ناظر الخارجية وقرروا فيه الإصلاحات اللازم إدخالها إلى تلك الولايات البلقانية ولكنهم لم يسمحوا لمندوبي الدولة العثمانية بحضور آخر جلسة فيه وبعد ذلك أسرعت روسيا لحشد (250) ألف جندي على حدود رومانيا و(15) ألف على حدود الأناضول فهاجت الأفكار في النمسا على إثر ذلك إذ رأى ساستها أن تقدم روسيا في القسم التركي الأوروبي مضر ببلادهم فأصدر السلطان أمره بمقابلة العداء بمثله وعين أحمد مختار باشا (الغازي) قائداً عاماً على جيوش الأناضول وعبد الكريم نادر باشا قائداً عاماً على جيوش الروملي والمشير درويش باشا قائد الباطوم وكان عثمان باشا (الغازي) وقتئذ قائداً على ودين. ولما كانت المسألة حرجة للغاية أراد السلطان أن يخفف عن عاتقه المسؤولية فجمع مجلساً عاماً من الوزراء والعلماء والأعيان والتجار حتى بلغ عددهم مائتي شخص واستشارهم فيما يفعل فأجمعوا على رفض قرار المؤتمر بحجة أن الإصلاحات المطلوبة لتلك الولايات البلقانية موجودة في الدستور وأن قبوله موجب لتدخل الأجانب في المملكة. أما المؤتمر المذكور فكان قد قرر المواد الآتية: (أولاً) إضافة جهة مالي رورنيك إلى بلاد الصرب ورد حدودها القديمة إليها. (ثانياً) أن يضاف إلى الجبل الأسود جهات أمييزا و(12) مقاطعة من ألبانيا والهرسك. (ثالثاً) إعطاء بلاد البوسنة والهرسك استقلالاً إدارياً وأن يعين الباب العالي لهما حاكماً مسيحياً لمدة خمس سنوات. (رابعاً) إعطاء بلغاريا استقلالاً داخلياً. (خامساً) تشكيل بوليس من الوطنيين للأقاليم المذكورة واعتبار اللغة السلافية لغة رسمية لها. وتخصيص نصف إيرادات البلاد المذكورة لمنافعها الداخلية. (سادساً) حرية انتخاب مشايخ القرى والقضاة والبوليس وغير ذلك في أقاليم قلبه ومقدونيا العليا المجاورة للبلاد المذكورة. (سابعاً) أن يحتل هذه الأقاليم مدة من الزمن قوة عسكرية بلجيكية تكون مصاريفها على تركيا. هذه مواد قرار المؤتمر وما انتشر في البلاد العثمانية حتى ثار الرأي العام عليه لأن أوروبا دلت به على أنها تعامل تركيا معاملة الأمة المغلوبة في حربها مع تلك الأمم مع أنها هي الغالبة فاضطرت الدول بإزاء هذه الثورة الفكرية أن تعدل من طلباتها هذه إلا أن الدولة العثمانية رفضتها رفضاً باتاً، فلم يسع سفراء الدول إلا أن تركوا الآستانة قاطعين علائق دولهم مع تركيا. فأرسل صفوت باشا وزير الخارجية إلى سفرائه بأوروبا ليخبروا الدول بأن الدولة رفضت مطالب المؤتمر لأنه يحط من كرامتها ولأنه جاء في غير محله وبلا مسوغ شرعي وشرعت روسيا تخابر الدول في الأمر وفي أثناء ذلك تصالح الصرب والترك وأخلد ثوار مقدونيا إلى السكينة بعد أن أنهكهم القتال فخافت روسيا من أنها لو انسحبت من المجال تفقد سمعتها عند هذه الأمم ولم تعد العصابات الثورية تصدقها فيما تمنيها به فتمكن البرنس غور جقوف الروسي من حمل الدول على تحرير بلاغ نهائي لتركيا يطلبن به إرجاع جنودها وترك السلاح وتحسين أحوال الممالك المذكورة تحت مراقبة السفراء. فلما وصل هذا البلاغ إلى تركيا طلبت أن يكون ترك السلاح منها ومن روسيا في وقت واحد، ولما لم تقبل روسيا ذلك رفضت الدولة هذا البلاغ بتاتا ونشر وزير الخارجية منشوراً لسفرائه في عواصم أوروبا شدد فيه اللهجة على أوروبا واتهمها بالتحيز وإيثار الإجحاف وعليه انقطعت العلائق السياسية بين الدولتين وأعلنت روسيا الحرب على تركيا ثم تقدمت الجيوش الروسية واجتازت الحدود العثمانية بعد أن تعاهدت مع رومانيا على أن تجعل هذه الإمارة جميع مخازنها ومؤنها وذخائرها الحربية وجيشها تحت تصرف روسيا مع أن تلك الإمارة كانت تابعة لتركيا. ولما غضبت تركيا من هذا العمل وأرسلت بعض مدرعاتها فأطلقت النيران على سواحل هذه الإمارة أعلنت رومانيا اتحادها مع روسيا وأرسلت من لدنها 16 ألف جندي لينضموا إلى جيش روسيا. حركات الجيوش بالروملي: تقدمت الجيوش الروسية والرومانية تحت قيادة الغراندوق نيقولا في (27) حزيران ـ يونيو سنة (1877)م وتمكنت من عبور نهر الدانوب ثم تقدمت نحو مدينة ترنوه ومما يؤثر عن هذه الحرب أنه بينما كان الجنود الروسية تجتاز نهر الدانوب كان عبد الكريم نادر باشا بجنوده في شملة لا يبدي حراكاً ولا يخرج من خيمته إلا نادراً وكان أحمد أيوب باشا معسكراً بفرقته بجوار قرية تدعى ترانسك من أرض البلغار فأرسل الطلائع للمناوشات ولما ذاع خبر اجتياز الروس نهر الدانوب هاج الرأي العام في تركيا فأسرعت الدولة بإرسال السرعسكر رديف باشا ومعه نامق باشا بحراً إلى وارنة ومنها إلى روسجق ليحقق عبور روسيا نهر الدانوب بدون مقاومة فدافع عبد الكريم نادر باشا عن نفسه بأنه كان يقصد مقاتلة روسيا في أراضي البلغار لا في أرض رومانيا التي اتحدت معها ولاسيما وأن جنوده كانت مشتتة في أرض الصرب وليس من الحكمة أن يتطوع إلى لقاء العدو بجيش قليل العدد في أرض كل من فيها يعين العدو عليه. ثم قال: إن الدولة كان لها قائد للأساطيل بنهر الدانوب مارس وظيفته عشرين عاماً وله إلمام تام بجميع الممرات التي كان يمكن للروس أن يمروا منها فعزلت الدولة هذا القائد وأبدلته بغيره ممن لا يعرف مواقع هذه الجهات فلم يهتد إلى الموقع الذي عبر منه الروس ليأخذ لنفسه الحيطة، فلم تقع هذه الحجج موقع القبول فعزل عن وظيفته وعزل أيضاً السر عسكر رديف باشا ونفيا لجزيرة بالبحر الأبيض المتوسط ووجهت وظيفة السر عسكرية إلى محمود باشا الداماد. تقدمت جيوش روسيا نحو البلقان واستولى الجنرال غوركو على مضايق البلقان وموقع شبكة واحتل البارون كودنر مدينة نيكبولي عنوة وأسر سبعة آلاف جندي عثماني واستولى على (13) مدفعاً وعشرة آلاف بندقية فسار عثمان باشا الغازي بفرقته من ودين وكانت مركبة من أربعين أورطة (فرقة) لإنجاد نيكبولي ولما بلغه سقوطها قصد بلفنا للاعتصام بها فاهتمت بتشييد الاستحكامات المنيعة فهاجمه الروس فيها في (29) تموز ـ يوليو سنة (1877)م فارتدوا عنها ثم هاجموه في (30) من الشهر المذكور فكان نصيبهم الفشل أيضاً. وبعد ذلك وصل إلى عثمان باشا مدد يمكنه من الهجوم فانقسم جيش الترك إلى ثلاثة أقسام الأول انضم إلى فرقة عثمان باشا وبقي في بلفنا والثاني أخذ قيادته السردار محمد علي باشا وتقدم به لمحاربة الروس تحت قيادة البرنس الكسندر ولي عهد المملكة، والثالث انضم إلى جيش سليمان باشا الذي دعي من حدود الجبل الأسود بجيشه لاستخلاص مواقع شبكة فتقابل مع الجنرال غوركو فانتصر عليه انتصاراً باهراً باسكي زغرة ثم تعقبه سليمان باشا وسعى في الاستيلاء على مضيق شبكة وبينما كان جيش محمد علي باشا منتصراً في وقعة نصوحار التي اشترك فيها الجيش المصري تحت قيادة الأمير حسن باشا قسم الغراندوق قواه فرقتين وجه إحداهما لمقابلة جيش محمد علي باشا وجعل الأخرى مدداً له عند الحاجة أو إلى رد عثمان باشا الذي كان يهدد الخطوط الروسية. وبالانتصارات التي حازها محمد علي باشا وسليمان باشا وعثمان باشا وقرب اجتماعهم للإحاطة بأجنحة بعض فرق روسيا أصبح موقف الجيش الروسي حرجاً للغاية فلما أدركت رومانيا الخطر المحدق بالروس جرَّدت مائة ألف جندي وسيرتها لإمدادهم وحضر القيصر بنفسه لتدارك هذا الخطر وكان معه إمدادات فتقوى الروس بذلك وانتصروا في بعض المواقع. وكان قواد الجيش الألماني يرسمون الخرائط الحربية لجيش روسيا فأشار الجنرال مولتك الشهير على الروس بحصار القلاع حصاراً طويلاً بدلاً من مهاجمتها بشدة فحاصروا استحكامات بلفنا التي فيها عثمان باشا تحت قيادة الجنرال توتلبين فشيد ثلاثة استحكامات حولها فأصبح عثمان باشا محصوراً بحيث لا يمكن إمداده فلبث يدافع عن مركزه حتى نفذ كل ما لديه من المؤن وعند ذلك خرج إلى العدو دفعة واحدة وهجم عليه هجمة عنيفة استولى بها على خط الدفاع الأول والثاني وكاد يستولي على الثالث لولا أن أصابته رصاصة في فخذه فسقط فظنه الجنود قد مات فاعتراهم الهلع وهموا بالرجوع إلى المدينة ولكن الروس كانوا قد سبقوهم إليها فلم يسع قوادهم إلا التسليم فرفعوا الراية البيضاء ثم ذهب اللواء توفيق باشا رئيس أركان حرب الجيش العثماني وطلب مقابلة القائد الروسي العام وهو الجنرال جانتسكي ثم ذهب الجنرال أستروكوف مع توفيق باشا وقابلا عثمان باشا في المكان الذي وضعوه فيه بعد جرحه. وطلب هذا الجنرال من عثمان باشا أولاً أن يأمر جنوده بإلقاء السلاح ثم يتخابر في التسليم فقبل عثمان باشا ولما عاد الجنرال أستروكوف وأخبر القائد جانتسكي بقبوله حضر إليه بنفسه وهنأه على أعماله الحربية الجليلة التي خلد بها ذكره وذكر الأبطال والقواد الذين حاربوا معه في بطون التاريخ ثم إن عثمان باشا سلم سيفه لذلك الجنرال فأركب مركبة وذهب به إلى بلفنا وفي أثناء سيره قابله الغراندوق نيقولا ومعه أمير رومانياً فسلما عليه باحترام وفي اليوم التالي ذهب عثمان باشا مع طبيبه إلى حيث ينزل القيصر ولما دخل عليه قام له إجلالاً وهش إليه وبش وأظهر إعجابه العظيم من مدافعته عن بلاده ورد إليه سيفه وأمره بأن يحمله وهذه من الأمور الخارقة للعادة وما حمل القيصر على ما فعل إلا دهشة من جرأته وحسن قيادته. وكيف لا يدهش ولم يكن مع عثمان باشا غير (50,000) جندي و(77) مدفعا. أما الجيش الروسي المحاصر فكان معه أكثر من (150,000) جندي و(600) مدفع.

تعليقات الفيسبوك :