ابي خليل القباني

فنانين العرب

هو أحمد أبو خليل بن محمد آغا بن حسين آغا آقبيق ولد في دمشق سنة الف وثمانمائة وثلاث وثلاثين ميلادية وينحدر من أصل تركي يتصل بأكرم آقبيق ياور السلطان سليمان القانوني، وأحد اجداده هو شادي بك آقبيق الذي شاد مدرسة الشابكية للعلوم الدينية مع جامع كبير واوقف لهما اوقاف القنوات بأجمعها ثم لقب في عهده بالقباني لأنه يملك قبان باب الجابية نسبة إلى القبابين التي كانت بذلك التاريخ ملكاً لفريق من العائلات في كل حي من احياء دمشق.
نشأته:
عاش الفقيد رحمه الله بكنف والده وجنى ثمر العلوم على افحل علماء زمانه وأدباء عصره وكان التدريس في ذلك العهد يجري في الجوامع حيث تقام حلقات الدراسة لشتى العلوم العربية من نحو وصرف وبيان وبديع ومنطق وفقه وفرائض، وكانت حلقة القباني تضم اكثر من الفي طالب، فكان بين اقرانه كالبدر بين النجوم. وقد ظهرت عليه آيات النبوغ والميل الفطري للفن الموسيقي والتمثيل وهو في الثانية عشرة من عمره، ثم اكب على دراسة اللغة التركية على أحد علماء هذه اللغة في جامع الطاووسية فأتقنها، ثم درس اللغة الفارسية وكان عمره آنئذ ثمانية عشر عاماً فنبغ فيها، وكان يسهر مع اخدانه من افراد الأسر الكريمة ويقوم بتمثيل الروايات في البيوت، وكانت اول رواية مثلها في سهرات البيوت الدورية هي رواية ناكر الجميل ألفها الفقيد متأثراً من حادثة معينة وقعت بين صديقين كان أحدهما عاقاً أوقع برفيقه الذي احسن اليه كل أذية وضرر.
ولما حضر مدحت باشا المشهور والياً إلى دمشق قام بجولة يتفقد فيها احياء دمشق والحالة الاجتماعية والروحية فيها، فلفت نظره كثرة المقاهي التي يمثل فيها حكايات (قره كوز) فانتقد وجهاء دمشق على هذا المستوى المنحط ولامهم لاقبالهم على مشاهدة مناظر مخجلة واستماع الفاظ بذيئة، فسألهم ألا يوجد في دمشق من يستطيع اقامة مسرح تمثل فيه الروايات الأدبية، فأجابوه بأن الشاب أحمد القباني يقوم بتمثيل بعض الروايات في سهرات خاصة مع فريق من أصحابه في بيوت دمشق وهو خير من يفي بالغاية المتوخاة، فأمر بإحضاره فخشي الفقيد رحمه الله عاقبة الأمر وظن بأنه قضي عليه لا محالة وذهب ضحية واش وشى به، وكانت الناس تؤخذ بالشك والريبة في عهد السلطان عبد الحميد، ولما كلفه بتمثيل رواية ليشاهدها بنفسه ارتد اليه روعه واطمئن على حياته، فامتثل للأمر وشرح له بأن التمثيل يحتاج الى مسرح وادوار تمثيلية لا بد منها، فأمر ان يعطى من بلدية دمشق تسعمائة ليرة ذهبية لهذه الغاية واستعد الفقيد على قدر الامكان وقد دعا الوالي مدحت باشا الناس لمشاهدة التمثيل بحضوره ومثل القباني رواية الشاة محمود واستعان بآنستين جلبهما من لبنان هما (لبيبة ومريم) وبفتيان مرد وهم موسى ابو الهبي وهو مسيحي من باب توما وتوفيق شمس وراغب سمسمية من مسلمي دمشق للقيام بأدوار التمثيل، فكان الوالي معجباً من براعة الفقيد بالتمثيل ومسروراً لهذا النجاح الذي كان وليد اقتراحه وابتسم الدهر للفقيد رحمه الله واغتبط لاقبال الاهلين على مشاهدة التمثيل وتشجيع الوالي لفنه الذي كان له أعظم الاثر في منهاج حياته فعمد لبيع حصته من اراضي قرية جديدة عرطوز وحصة من املاكه بدمشق مع القبان الذي كان يملكه وصرف المبالغ على انشاء المسرح بشكل فني،فبلغت تكاليفه كألبسة الممثلين والسيوف والمناظر والستائر الملونة مبلغ الفي ليرة عثمانية وهو مبلغ ضخم بالنسبة لذلك العهد وبدأ بالتمثيل في عام 1880م في البناية التي استأجرها في خان الكمرك المشهور الواقع في منطقة باب البريد فكان ثمانون بالمائة من متنفذي دمشق واتباعهم يدخلون المسرح لمشاهدة التمثيل دون ان يدفعوا بدل الدخول وكان رحمه يقابلهم بالبشاشة والترحاب رغبة في تنوير الأذهان وليعلموا ان التمثيل يدعو إلى مكارم الأخلاق والمبادىء القويمة، وقد دام التمثيل سنة وأحد عشر شهراً على احسن ما يرام بالنسبة لتقدم الفن، وعلى أسوأ ما يكون بالنسبة إلى المادة، اذ كانت الواردات تسدد النفقات فقط دون ان يجني الفقيد شيئاً من الأرباح لقاء اتعابه، ثم صدرت الإرادة السنية بابعاد الوالي مدحت باشا إلى الطائف في الحجاز فقام بعض المتعصبين من المشايخ الذين كانوا سكتوا رهبة من الوالي مدحت باشا واحتجوا شاكين الى خلفه الوالي الجديد بأن روايات القباني هي بدعة وضلالة، وقد جاء في شكواهم ما نصه حرفياً (ننشره هنا لطرافته وللتاريخ):
«إن وجود التمثيل في البلاد السورية مما تعافه النفوس الابية ونراه على الناس خطباً جليلاً ورزءاً ثقيلاً لاستلزامه وجود القيان ينشدن البديع من الالحان بأصوات توقظ أعين اللذات في افئدة من حضر من الفتيان والفتيات فيمثل على مرأى من الناظرين ومسمع من المتفرجين احوال العشاق، فتطبع في الذهن سطور الصبابة والجنون وتميل بالنفس الى انواع الغرام والشجون والتشبه بأهل الخلاعة والمجون، فكم بسببه قامت حرب الغيرة بين العواذل والعشاق وكم سلب قلب عابد، وفتن عقل ناسك، وحل عقد زاهد».
فصدر الأمر بمنعه عن التمثيل، وهب المشاغبون فاستباحوا نهب مسرحه وكافة ادواته، واضاع الفقيد ثروته الطائلة، حتى اضطر للاختفاء مدة شهر واحد ريثما خمدت ثورة الهياج، فأزمع على مبارحة البلاد السورية (وفي الليلة الظلماء يفتقد البدر).
رحلته إلى مصر:
لقد فطر الفقيد رحمه الله على الاباء والشمم والمروءة، فعزت عليه نفسه الكبيرة ان يبقى في بلد لا يقدر اهلها الفنون الجميلة حق قدرها، عدا عن ضغط الحكومة التركية عليه والعراقيل المادية والعثرات الادبية التي مني بهما، وكان ايمانه الوطيد بالله عز وجل وبقدسية القومية العربية اكبر حافز لمثابرته على تأدية رسالة الفن والادب، فظل صامداً كالجبار العنيد لا تثنيه عن عزمه المشاغبات والمعاكسات، وكتب الى صديقه المرحوم سعد الله حلابو التاجر السوري المثري في الاسكندرية يستشيره في الشخوص إلى مصر أو عدمه ويخبره بما وقع له من منعه عن التمثيل ونكبه النهب التي حلت به، فأجابه مؤكداً له نيل مناه في القطر المصري وأرسل له باخرته المسماة (قاصد كريم) فأبحر عليها مع خمسين فرداً من اخصائه مفارقاً وطنه الذي أحبه وفي قلبه غصة، تجيش في نفسه ذكريات الماضي المحرقة وفي وجهه علائم الاسى واللوعة لتوحشة الفراق وقد خنقته العبرات . فكان الناس ينتظرون مقدمه بفارغ الصبر، وأقاموا يترقبون تحقيق أمنيته حتى حضر فاستقبل استقبالاً حافلاً بالترحاب والتكريم. وأشارت جريدة الاهرام بعددها المؤرخ 23 تموز 1884 ورقم 1974 بوصوله. وسافر المرحوم سعد الله حلابو الى القاهرة وقابل خديوي مصر توفيق باشا وعرض على مسامعه قصة المرحوم القباني فأمره بالعودة فوراً إلى الاسكندرية لاحضاره إلى القاهرة وتشرف بمقابلته، وكانت مفاجأة سارة من الخديوي بأعطائه دار الاوبرا لتمثيل رواياته فيها مدة سنة تشجيعاً لفنه دون مقابل ووهبه أرضاً في حي العتبة الخضراء شاد عليها مسرحاً للتمثيل من مورده الخاص، وكانت أول رواية مثلها وحضرها الخديوي هي رواية (الحاكم بأمر الله) وأنشد فيها موشح الحجاز الخالد من وزن الشنير وهو من نظمه وتلحينه.
(برزت شمس الكمال
من سنان ذات الخمار)
وروى احد المقربين عن لسان الخديوي بأن القباني لما دخل المسرح وجلس على عرش الملك باعتباره يمثل دور الحاكم بأمر الله أثرت في الخديوي عظمة التمثيل فشردت افكاره وهبّ واقفاً هنيهة ووقف الجمهور معه، ثم اشعر بنفسه وجلس وقال لمن حوله (خلتُ اني كنت في قصر اقجه قلعة وانَّ السلطان عبد العزيز قد دخل وجلس على عرشه فوقفت اجلالا له، وهذا أكبر دليل على ما خصَّ الله به القباني من هيبة ووقار وتأثير روحاني على النفوس. ثم مثل رواية هارون الرشيد وانس الجليس، وفي هذه الرواية انشد بصوته العذب الجميل موشح الحسيني الخالد من وزن الشنير وهو من نظمه وتلحينه:
رقصَ البانُ وغنى
من على الغصن الهزار
وجريح القلب ثنّى
في تلاحين الحصار
ثم موشح العجم من وزن المصمودي وهو:
شمس كاسِ الراحِ تجلى
من يدِ الريم المهفهف
واهتزت مصر طرباً لحفلات رقص السماح التي شاهدتها لاول مرة ـ وقد بلغت دهشة الحاضرين من روائع فنه حداً لا يوصف هذا ولما كان الفقيد قد ترك عائلته المؤلفة من ولديه خليل وعبد الحميد وأربع بنات بدمشق وغاب عنهم اكثر من عشر سنوات في مصر، فقد هزه الشوق لرؤيتهم، فحضر إلى دمشق وترك مسرحه التمثيلي في عهدة تلامذته البارعين، ثم دعاه صديقه المرحوم محمد بن سليمان الجندي من حمص لزيارته مع عائلته فمكث فيها ضيفاً معززاً مكرماً مدة سنة، ثم ترك ولديه وبناته تحت رعاية صديقه الذي هيأ لهم عملا يعيشون منه وانشأ لهم معملاً لصنع النشاء فيها واقاموا مدة سنتين ثم عادوا إلى دمشق وكان ذلك عام 1891م وعاد الفقيد وحده إلى مصر وكانت مدة إقامته فيها سبعة عشر عاماً، وشاءت الأقدار ان يعلو بفنه ويبلغ ذروة المجد والعظمة، فيضيق حساده ذرعاً بتفوقه عليهم وفي طليعتهم اسكندر فرح وسلامة حجازي وغيرهما من اصحاب مسارح التمثيل، فدبروا المكائد للتخلص من وجوده في مصر واستغلوا بعض الاوباش المأجورين فاحرقوا دار التمثيل، وكان لاحد اعيان مصر دين على الفقيد يزيد على الفي جنيه مصري فاضطر الفقيد لاعطائه الارض لقاء دينه، وقد اثرت هذه النكبة الفادحة في أوضاعه المادية فغادر مصر إلى استانبول ونزل ضيفاً مكرماً على المرحوم احمد عزت باشا العابد رئيس كتاب الباب العالي، وكان يجتمع بالسلطان عبد الحميد بين حين وآخر وينشد له موشحات تركية وفارسية وعربية من تلحينه ويبدي اعجابه بمواهبه وفنه وفصاحته وتكلمه اللغة التركية كأبنائها فاصدر السلطان براءة سنية بمنح كل بنت من بناته الثلاث راتباً شهرياً قدره ثلاثمائة وخمسون قرشاً ذهبياً ما دمن على قيد الحياة دون زواج، وقد وافاهن الاجل ولم يتزوجن ودامت مدة اقامته في استانبول سنة واحدة قضاها مرغماً وعلى كره منه، واجتمع بفطاحل الادباء والفنانين الأتراك الذين شهدوا بأدبه وفنه، وقد عرض عليه السلطان عبد الحميد منحه الاملاك والوظائف فأبى شاكراً، وتألم احمد عزت باشا العابد من موقفه ولامه قائلا (السلطان يعرض عليك المنح والعطايا وانت ترفض) إذاً أنت غبي... وقد سأله السلطان عن سبب وجوده في مصر فاعلمه بمنعه عن التمثيل بدمشق بأمر شاهاني، فأمر السلطان ان يفتش على هذا الأمر، واتضح بعدئذ ان السلطان لا علم له به وان الوالي الذي خلف مدحت باشا اراد التقرب من شيوخ دمشق فجعل الفقيد كبش الضحية وثمناً لاكتساب مودتهم على اكتافه، فمنعه من التمثيل مدعياً بورود امر سلطاني بالمنع، ثم استأذن السلطان بالسفر فصدرت ارادة سنية بالسماح له بالسفر إلى دمشق كيلا يتعرض إليه أحد بسوء.
تآليفه:
كان الفقيد رحمه الله عالماً متضلعاً ومؤلفاً بارعاً وشاعراً مبدعاً وناثراً بليغاً ولبيباً فصيح اللسان وقد جادت قريحته بتأليف ثمان وستين رواية عرف منها روايات ناكر الجميل، الشاه محمود، السلطان حسن، أسدُ الشرّى، لوسيا، عنترة، هارون الرشيد وأُنس الجليس، متريدات عفيفة، ملتقى الحبيبين واسما وسليم واكثر هذه الروايات مطبوع يباع في المكاتب المصرية وفي اقتنائها فائدتان الاولى ليعرف قدر هذا العالم العبقري في الادب والفن والموسيقى لمن لا يعلم، والثانية لوجود ألحانه الموضوعة بمناسبات مناظر ومواقع التمثيل في هذه الروايات. وقد جمعت بين جزالة الالفاظ وعذوبتها ورقة المعاني ودقتها.
وإذا المكارم والمعارف كانتاإرثاً فلا داع الى التعظيم
فنه:
كان رحمه الله ملحناً وممثلاً عبقرياً، ويعتبر الفقيد من ابرز مؤسسي مسرح التمثيل في الاقطار العربية وتلقى عليه نخبة من فطاحل الفنانين المصريين الفن الموسيقي امثال دروكش الحريري أستاذ سيد درويش وكامل الخلعي الموسيقار المشهور وسلامة حجازي وغيرهم، وهو الذي نقل الغناء الشامي واكثره من نظم وتلحين أمين الجندي الشاعر الحمصي المشهور ونشره في القطر المصري، فكان مسرحه منهلا لطلاب الفن ينهلون من رحيقه ومورداً عذباً يؤمه الكبراء والامراء والشعراء والادباء لمشاهدة درره النفيسة ومواضيعه البليغة. وقد ذكر المرحوم عزيز العظمة إنه حضر مرة مع وزير إيران تمثيل رواية الشاه محمود وانشد الفقيد اشعاراً قاسية فزاد في استغراب الوزير أن يكون المنشد عربياً وأتقن اللغة الفارسية كأنبغ ابنائها. اما مواهبه ومكانته بين عباقرة الفن فإنهم لو حشروا لبايعوا القباني بالامارة عليهم ولساروا في ركابه معتزين فخورين بعبقريته الخالدة.
صفاته:
لقد كان الفقيد المرحوم على جانب عظيم من ثبات الجأش وقوة العارضة في تفهم المعنى وتقرير القاعدة فيقولها بكلام بسيط يقرب من الافهام وكان يقول رداً على ما طعن به (التمثيل جلاء البصائر ومرآة الغابر ظاهره ترجمة احوال وسير وباطنه مواعظ وعبر، فيه من الحكم البالغة والآيات الدامغة ما يطلق اللسان ويشجع الجبان ويصفي الاذهان ويرغب في اكتساب الفضيلة وهو اقرب وسيلة لتهذيب الاخلاق ومعرفة طرق السياسة وذريعة لاجتناء ثمرة الآداب والكياسة.
كان عظيم التواضع، وديعاً انيساً كبير النفس يرى الحياة ميدان جهاد وتضحية ومضمار ثبات واقدام يعطف على الفقير رحمة به وايثاراً لطاعة ربه ويساعد الضعفاء من ابناء فنه.
كان ذا تقى وورع لان الدين دعامة الفضائل والمآثر والمبرات، ويهوى الشعر لانه لغة الخلود والاحساس والعاطفة ورسول الوحي والالهام، ويحل الموسيقى والغناء والتمثيل لانها سلوى الحياة وعزاء النفوس ودواء الافئدة المكلومة.
وفاته:
وفي اليوم الواحد والعشرين من شهر كانون الاول سنة الف وتسعماية وثلاث ميلادية طالت يد المنون القاهرة روح الفقيد الطاهرة فطوت امجد وانبل شخصية عبقرية اتحف الدهر بها الشرق على اثر اصابته بعدوى الطاعون ودفن بمقبرة عائلته في باب الصغير في السنانية بدمشق وانزل في قبر والده وبأسفل قبره يقع قبر ابنته المرحومة خاتم وانزل فوقها ابنته الثانية المرحومة سلوى. ونظراً لتناقض الوقائع في تاريخ وفاته بين المؤرخين قصيدتين من الأبيات الشعرية المكتوبة على شاهدة قبره وما كتب على اسفلها انه توفي في غرة شهر شوال سنة 1321هـ ويوافق ذلك ليلة الاربعاء في 21 كانون الأول سنة 1903

تعليقات الفيسبوك :