الثورة الاسلامية في إيران

الفتوحات والثورات

«إيران والاستعماران الأحمر والأسود»: إنه الشعار الذي رفعه الشاه الإيراني المخلوع والذي أدى إلى اندلاع انتفاضة عارمة حيث يدل الشعار صراحة على إهانة للإسلام الذي ينادي به رجال الدين الإيرانيون والمرمز له بالسواد هنا. ففي بداية سنة 1978م قامت الانتفاضة الشعبية في قم ومشهد. ما لبثت أن شملت جميع المدن الإيرانية. وكان على رأس هذه الانتفاضة آية الله شريعة مداري في الداخل. وفي الخارج آية الله الخميني (الذي نفي إلى فرنسا بناء على أوامر الشاه الذي كان يريد سجنه إلا أن ترقيته من قبل مجلس العلماء في مدينة قم إلى رتبة آية الله تمنع السلطات أن تسجنه دستورياً). بالإضافة إلى الجبهة الوطنية الإيرانية بزعامة كريم سنجابي. وكانت شعارات الانتفاضة تنادي بتنحية الشاه، وقيام جمهورية إسلامية، وقطع العلاقات مع الكيان الصهيوني الذي فتحت له سفارة في طهران. وقد كان الشاه يلجأ لامتصاص هذه الثورات والإنتفاضات والنقمات إلى تبديل رؤساء الوزارات وإجراء بعض الإصلاحات ولكن دون جدوى وكان آخر رئيس للوزراء «شهبور بختيار». بعد ظهور ذاك الشعار المهين(الأحمر والأسود) الذي جاء عقب زيارة الرئيس الأميركي جيمي كارتر إلى إيران انطلقت المظاهرات الاحتجاجية الصاخبة في قم حيث استنكر الناس سجل النظام الأسود، غير أن رد النظام على ذلك لم يختلف عن السابق، فقد استعمل القوة العسكرية مما أدى إلى سقوط حوالي 200 قتيل. بعد حادثة قم أخذت سلسلة من التظاهرات تتكرر في أرجاء البلاد ليقابلها النظام بالرصاص وإراقة الدماء البريئة. ثم حتطورت هذه الحوادث من مجرد حوادث منفصلة في أنحاء البلاد إلى حركة متناسقة وموحدة رافعة شعار إسقاط نظام الشاه وإقامة حكم جمهوري إسلامي مكانه. المذابح المتكررة... وليلة عاشوراء لقد كانت تلك الانتفاضة من القوة بحيث لم يكن نظام الشاه يتوقعها. واتضح أن الشرطة السرية (السافاك) لم تستطع أن تواجه الانتفاضة الجماهيرية العارمة، كما أن أفراداً من الحامية المحلية لم يرغبوا في التدخل أو أنهم عجزوا عن التدخل بصورة مؤثرة. فاستدعى النظام التعزيزات من خارج المحافظة، ولكن دون جدوى. وفي النهاية استطاع النظام تفريق التظاهرات لا بشرطته ولا بجيشه بل برشق المتظاهرين بوابل من الرصاص من الطائرات السمتية المزودة بالمدافع الرشاشة كالتي استعملتها الولايات المتحدة الأميركية ضد الفيتناميين. وبعد ذلك بدأت الأعمال الانتقامية القاسية. ويقدر عدد الشهداء الذين استشهدوا في انتفاضة تبريز فقط في ذلك اليوم بنحو 500 شخص. وتبع ذلك عقد سلسلة من مجالس العزاء لإحياء ذكرى الشهداء في مختلف أنحاء إيران. وفي يزد استشهد عدد من الناس في آب 1978م، فقامت مظاهرات كبرى في طهران. وباقتراب الشهر المحرم بلغت الحوادث ذروتها وتحولت التظاهرات المتناثرة إلى ثورة جماهيرية لم يتنبأ بها أدق المراقبين. في اليوم الأول من محرم 1978م امتلأت الشوارع في طهران وفي عدد من المدن الأخرى بالجماهير الغاضبة وقد ارتدت الأكفان استعداداً للشهادة وتقدمت في صفوف متراصة نحو فوهات البنادق الرشاشة الموجهة إليهم. وعلى الرغم من صعوبة التوصل إلى تقدير صحيح في عدد قتلى ذلك اليوم ـ باستثناء مجزرة الجمعة السوداء في 18 أيلول 978م ـ فإن الضحايا في هذه الحادثة كانوا أكثر من ضحايا أية حوادث أخرى. مجزرة ساحة الشهداء أو الجمعة السوداء: تجمع عدد كبير من المتظاهرين في طهران في الساحة التي كانت تسمى في السابق باسم «ميدان رالة» والتي تسمى اليوم «ساحة الشهداء» كان النظام قد أعلن منع التجول دون أن يعرف بذلك الذين تجمهروا في الساحة ولم تعطَ لهم أية فرصة للتفرق، بل حوصروا من الجهات الأربع وأخذ الجنود يطلقون الرصاص عليهم من الجهات الأربع ومن الجو أيضاً. بعد هذه المذبحة المروعة التي ذهب ضحيتها نحو أربعة آلاف شهيد نسي الرئيس الأميركي جيمي كارتر كل شيء عن كامب ديفيد وبعث برسالة تهنئة إلى الشاه ومن شهر رمضان حتى محرم أي من أيلول حتى كانون الأول 1978م عادت المظاهرات الجماهيرية التي كانت قد اندلعت في أواخر شهر رمضان فتكررت في يومين عصيبين هما اليومان التاسع والعاشر من محرم واللذان يجلهما الشيعة أيما إجلال. الثورة في عاشوراء: كان يوما التاسع والعاشر من شهر محرم هما المفصلين في تاريخ الثورة الإسلامية. في البداية أعلن أزهاري رئيس الوزراء العسكري أن منع التجول سوف يفرض من الفجر حتى المغرب. وأنه لن يسمح بإقامة أية مراسيم للعزاء الحسيني حتى في المساجد فضلاً عن الشوارع. ورداً على ذلك صدر أمر عن الخميني في باريس بالقيام بإحياء ليلة عاشوراء بالقيام بالتجمع على أسطح المنازل خلال الليل. الأمر الذي زاد من هياج النظام الضعيف. وخلال تلك الليلة بدت أصوات التكبير والتهليل المتصاعدة من أسطح البنايات وكأنها أشبه بزلزال رهيب ماجت به طهران كلها. وعندما أدركت الحكومة أن الناس لا ينوون التزام منع التجول ألغته وأجازت التظاهر فخرجت المظاهرات الضخمة في أهم وأكبر شوارع طهران. حيث تسكن العائلة المالِكة وأبناء الذوات وأصحاب المال. واتجهت جموع الحاشدين نحو الساحة حيث قرأ بيان أيده الجميع. وقد دعا البيان إلى إلغاء الملكية وإقامة الجمهورية الإسلامية والتزام بعض المبادىء المعينة في السياستين الداخلية والخارجية. وبعد سلسلة من الحوادث اضطر الشاه إلى ترك البلاد وهذا الأمر الذي كان 7 يصر عليه الشعب بتشجيع من الخميني في باريس. قيام الجمهورية الإسلامية: في 18 كانون الثاني 1979م هرب الشاه إلى خارج إيران. وفي أول شباط 1979م وصل الخميني إلى طهران قادماً من منفاه في باريس، فلاقته الجماهير الإيرانية التي قدرت بنحو ثلاثة ملايين شخص (وقد اتصلت هذه الجماهير في خط واحد بلغ طوله 33 كلم) واختفى رئيس الوزراء شهبور بختيار عن الأنظار، حيث هرب إلى باريس حيث عين الخميني مكانه مهدي بازركان رئيساً للحكومة المؤقتة في البلاد. وفي 31 آذار 1979م جرى استفتاء شعبي على الجمهورية الإسلامية فنالت الأكثرية الساحقة من أصوات المقترعين الذين بلغ عددهم 99%. وبعد عدة أيام تم إعدام عدد من مسؤولي جهاز «السافاك» السابقين المسؤولين المباشرين عن عدد من المجازر. وقد أدى قيام الثورة الإسلامية في إيران إلى توتر شديد في العلاقات مع الولايات المتحدة الأميركية، وقطعت مع إسرائيل حيث استبدلت السفارة الإسرائيلية بسفارة دولة فلسطين واستقبل الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات استقبالاً حاشداً وجرى تغيير كامل للسياسة الإيرانية على الصعيد الداخلي وخاصة على الصعيد الخارجي حيث أصبحت إيران من أهم الدول المعادية للولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل بعد أن كانت حليفتهم المثلى.

تعليقات الفيسبوك :