الاشتراكية

مذاهب فكرية مذاهب فلسفية

للإشتراكيه في بث مبادئها وجوه فلسفية كثيرة ومباحث في أصول العمران وعلم الاقتصاد حافلة بالمعلومات التي تفيد القارىء علما جما بنظام الأمم والمجتمعات وحركة الحياة فيها، لو عنى بها الباحث وأعارها فؤاداً واعياً لتجلى له عدالة النظام الاقتصادي الإسلامي ولرأى رأي العين أن الحل الوحيد لكل هذه المعاضل الأقتصادية والاجتماعية السائدة في العالم هو تطبيق نظام الزكاة في الإسلام عليه لأنه جاء وسطا بين أفراط أصحاب رؤوس المال الأوروبيين وبين تفريط الاشتراكيين ولكنا لا نعجل بتفصيل هذا الحكم حتى نعرف ماهية الاشتراكية ومنتهى حجج الداعين إليها ثم ننظر في أمرهم واللّه الموفق.
أصل مذهب الاشتراكيين آباء الكنيسة المسيحية وبعض فلاسفة القرن الثامن عشر ثم (بابوف) الثوري الفرنسي المتوفي مقتولاً (1797) م وهو الذي أسس مذهب الكومونيين ثم الفيلسوف فورنييه المتوفي سنة (1838) م والمؤرخ (لويزبلان) المتوفي سنة (1882) م وسائر تلاميذ (بابوف) المتقدم ذكره الذي كان لهم جماعات سرية لا عداد لها في النصف الأول من القرن التاسع عشر.
ولكن لو سألت الاشتراكيين العصريين عن واضع أساس مذهبهم لقالوا هو كارل ماركس الاشتراكي الألماني المتوفي سنة (1883) م.
ولكن مما حفظه التاريخ لآباء الكنيسة المسيحية من الأقوال المأثورة يثبت إنهم أدركوا مذهب الاشتراكيين قبل وجوده وقالوا بأول أصل من أصوله وهو حذف الملكية فقد قال سان جيروم بابا النصاري المتوفي سنة (420) م.
«الغنى نتيجة من نتائج اللصوصية دائماً. فإن لم يكن قد جناها المالك الحالي فقد جناها أسلافه».
وقال البابا سان كليمان المتوفى منذ ثمانية قرون: «العدالة الحقة هي أن الكل حق للكل، وما سن الملكية الشخصية إلا الظلم»
وبناء على هذا فالذي وضع أساس المذهب الاشتراكي في الحقيقة هم آباء الكنيسة المسيحية و(بابوف) المتقدم ذكره. وأما كارل ماركس فهو أول من دعم هذا المذهب دعماً علمياً.
ومن عهده إلى الآن ثارت بين المشرعين وبين الاشتراكيين حرب عوان بذل لها كل من الطرفين غاية براهينه:
وكان المشرعون قد حددوا الشيء المملوك بأنه الشيء الذي احتازه أحد الأفراد ولم يكن قبل ذلك ملكاً لأحد.
فتصدى الاشتراكيون لهذا التحديد وطعنوا عليه قائلين: هل في الملكية بهذا التحديد ما يوجب احترامها ولا سيما إذا تبين بعد حيازة ذلك الرجل لما حازه أنه من الضروريات لكثيرين غيره؟ ثم هل في هذا التحديد للملكية ما يوجب انتقالها للأعقاب بالوراثة؟
كان المشرع الهولندي جروتيوس المتوفي سنة (1645) م والمشرع الألماني بوفيندورف المتوفي سنة (1694) م حاولاً أن يعللا وجود الملكية بالاتفاق العام بين الناس وتابعهم المشرع الفرنسي مونتسكيو في ذلك وهو المتوفي سنة (1778) م فقال: إن الهيئة الاجتماعية نشأت بواسطة عقد اجتماعي عقده الناس فيما بينهم وقد قرروا الملكية واحترموها بموجب هذاالعقد.
فتصدى الاشتراكيون لهذا الأصل أيضاً فهدموه قائلين: إذا كانت الملكية نشأت على رأي جرتيوس وبوفيندورف ومونتسيكو وروسو بموجب اتفاق بين أعضاء الهيئة الاجتماعية فهي إذن ليست من الحقوق الطبيعية وإذ قد تبين الآن ضررها فلا أسهل من حذفها بموجب اتفاق عام من نوع الاتفاق الذي أوجدها.
ففطن المشرعون المحدثون لهذا النقص في تعليل المشترعين السابقين وخشوا سطوة الاشتراكيين فبذلوا جهدهم في وجدان تعليلات تقاوم انتقاد أصحاب هذا المذهب فقالوا: الملكية من الحقوق الطبيعية لأن لكل إنسان الحق في توفير احتياجاته بجده واجتهاده وليس لأحد أن يعارض غيره في ذلك.
فقال الاشتراكيون هذا الأصل فاسد لأنه لا يجوز لأي فرد من الأفراد ما دام مشتركاً مع غيره في الحياة أن يعمل أي عمل يضر غيره وقد ثبت الآن أن مبدأ الملكية ضار فيجب حذفه.
فردت عليهم طائفة أخرى من المشترعين قائلين: الملكية حقه لأنها من ضرورات الحياة الاجتماعية إذا لم توجد اختل نظام الاجتماع وماتت روح المسابقة فيها بدليل أن البلاد التي قررت الملكية نامية الثروة آخذة في الارتقاء بسرعة بخلاف الأمم التي فيها الملكية مهددة فإنها في الحضيض الأسفل من الاختلال.
فأجابهم الاشتراكيون: إن زعمكم بأن الملكية ضرورية ضرب من الوهم أداكم إليه حب بقاء القديم على قدمه ولا حق لكم في هذا الحكم الصارم إلا بعد تطبيق أسلوب الاشتراكيين على إدارة أمة من الأمم وظهور أثره عليها وإنما يختل نظام بعض الأمم المهملة لحماية الملكية لاضطرابها في مبدئها وعدم اعتمادها على مذهب ثابت.
فانتهى عليه المشترعون إلى نقطة نهائية في تبرير الملكية وهي قولهم إن الملكية من الحقوق الطبيعية لأنها نتيجة العمل أولاً ووضع اليد ثانياً فالإنسان يختص بالشيء من طريقين إما بعمله وإما بالاستيلاء عليه قبل غيره من هنا صارت الملكية حقا للأنسان لا نزاع فيه.
قذف بالإنسان إلى هذا العالم عاري الجسد مجرد من السلاح فجد واجتهد وحصل قوته بشق الأنفس ثم آلمته الآلام وخزته المتاعب ففكر ونظر ثم تأمل وتدبر فهداه بارئه إلى ضروب من الأعمال وأنواع من المحاولات فحرث وزرع وبنى وشيد وأسر الحيوانات ودجنها وبذل أقصى مجهوداته في تذليل صعوبات العيش ولم يكن كل أفراده على هذا الحال من الهمة بل كان فيهم الكسلان الذي يسهل عليه أن يموت مكانه من أن يكد لنجاته والمسرف الذي يبذر ما يقع له في أعقاب شهواته فهل من العدل أن يتقاسم هذان الرجلان الكسلان والمسرف محصول ذلك العامل الذي أفنى فيه قواه وأضنى له جسمه؟
هذا الرجل العامل كان يستطيع أن لا يعمل فلا ينتج شيئاً فكيف لا يكون ما أنتجه خالصاً له دون غيره؟ إنه لم يؤذ أحدا باستثماره كده وقواه بل هو الذي يؤذى لو حكم عليه بإشراك غيره معه في نتيجة جهاده.
نعم، الإنسان لا يخلق شيئاً ولكنه يحول ما يجده بواسطة الصناعة إلى شيء له قيمة ومنفعة فيجد حجراً ملقى على الأرض لا قيمة له فينحته ويصقله ويبرز منه شكلاً صناعياً بديعاً يساوي قدراً من المال. فلا شك أن ذلك المال ثمن عمله لأن الحجر كان ملقى لا يلفت نظر أحد.
فقال الاشتراكيون نرد هذه الأصول: إذا قلتم إن للعامل ثمرة عمله فيكون للعملة في المصانع الحق في الاستيلاء على ما يعملونه ويكون كل ما يستخرجه العملة من الفحم والذهب وسائر المعادن لهم دون غيرهم لأنه نتيجة كدهم وجدهم فبأي حق تذهب ثمرة كل هذه المتاعب إلى خزانة بعض الأفراد ممن احتكروا تلك المناجم بمساعدة الحكومات ثم هم لا يتقاضون على كل هذه الأتعاب إلا ما لا يكفيهم.
فيرد عليهم المشترعون بقولهم: إنه ليس لهم حق في أخذ نتيجة أعمالهم لأنهم اشترطوا قبل مباشرة العمل بأن لا يكون لهم من نتيجة شغلهم إلا الأجر المقرر لهم.
فيقول الاشتراكيون إنهم مضطرون لقبول هذا الشرط اضطراراً لاستحواذ أولئك الأقوياء القلائل على رؤوس أموال الأمة التي هي روح الأعمال وقوامها ومما يدل على أن هذا الشرط قُبِل بالإكراه أن العملة يعتصمون كل حين طلبا لبعض حقوقهم ثم يضطرون للعودة محفوزين بالجوع والحاجة وليس بعد هذا ظلم يسجله التاريخ على الأمم.
ثم يقول الاشتراكيون أيضاً: إذا كنتم تزعمون أن الملكية حق لأنها نتيجة الكد والعمل فكيف تحللون الوراثة وليست نتيجة كد ولا عمل؟ ماذا عمل الشاب المترف حتى يستحق أن يرث عن أبيه مائة مليون من مال الأمة فيسخر بها مائة ألف عامل لا يسمح لهم إلا بدون نفقاتهم ثم يصرف دخله الهائل على تربية الكلاب والاحتفال بدفن موتاها وبناء المقابر الفخمة لها والعبث بالأعراض بينما يكون في أمته ألوف مؤلفة من أسر تموت جوعاً ومرضاً؟
فيرد عليهم المشترعون بقولهم إنه إن كانت الأموال ملكا للأب فله أن يتصرف فيها بما يختار. له أن يهب منها لغيره وله أن يورثها لابنه.
هذا بعض ماحدث بين الفريقين من الملاحاة وقد انقسم الاشتراكيون إلى مذاهب شتى كلها ذات مقاصد عامة.

تعليقات الفيسبوك :