الأسرة المروانية

تاريخ الحضارات

الأسرة المروانية هي العائلة الأموية الثانية التي استلمت الحكم بعد مقتل عبد الله بن الزبير في مكة وبدأت هذه الفترة ببيعة عبد الملك بعد وفاة أبيه مروان بن الحكم في مصر والشام، ثم بويع بالعراق بعد مقتل مصعب بن الزبير، وبالحجاز واليمن وخراسان بعد مقتل عبد الله بن الزبير وغدا أميراً للمؤمنين منذ ذلك الوقت عام 73 هـ. وقد استقر له الوضع تماماً لكي يعود لمقارعة الأعداء على كافة حدود الدولة الإسلامية فأعاد السيطرة على بلاد المغرب وردَّ الروم في الأناضول وأرمينيا واستعاد بعض الأجزاء هناك. أما الترك في الشرق وبلاد ما وراء النهر فقد حاربهم وانتصر عليهم، إلا أنه لم تحدث فتوحات واسعة هناك بسبب أن المشرق كانت فيه بعض القلاقل والثورات كالخوارج في بلاد فارس والأهواز والصفرية منهم في الجزيرة والعراق، وقد صرف الخليفة وواليه على العراق الحجاج بن يوسف الوقت الكثير في إخضاع هذه المناطق لحكم الشام. وكذلك شغلت حركة عبد الرحمن بن الأشعث الدولة الوقت الكثير إلى أن تم القضاء عليه وعلى ثورته.
هذا الاستقرار الذي امتاز به عهد عبد الملك بن مروان عدَّ مقدمة للفتوحات الكبرى التي حدثت في عهد ابنه الوليد من بعده وكذلك الازدهار الإداري الذي حصل في عهده فقد استلم الخلافة بعد وفاة أبيه عام 86 هـ وقد بنى على عهده مسجد بنى أمية في دمشق ومسجد الصخرة في القدس وقد كان عهده عهد رخاء على المسلمين فأعطى المجذومين وبنى لهم مشفى خاص وحدثت في أيامه فتوحات واسعة.
الأسرة المروانية حكمت سبعة وستين عاماً 64 ـ 132 هـ وتوالى عليها عشرة خلفاء هم:
1 ـ عبد الملك بن مروان 73 ـ 86 هـ.
2 ـ الوليد بن عبد الملك 86 ـ 96 هـ.
3 ـ سليمان بن عبد الملك 96 ـ 99 هـ.
4 ـ عمر بن عبد العزيز 99 ـ 101 هـ.
5 ـ يزيد بن عبد الملك 101 ـ 105 هـ.
6 ـ هشام بن عبد الملك 105 ـ 125 هـ ج
7 ـ الوليد بن يزيد بن عبد الملك 125 ـ 126 هـ.
8 ـ يزيد بن الوليد بن عبد الملك 126 ـ 126 هـ.
9 ـ إبراهيم بن الوليد بن عبد الملك 126 ـ 127 هـ.
10 ـ مروان بن محمد بن عبد الملك 127 ـ 132 هـ.
ففي بلاد الروم كانت الجيوش الإسلامية تتقدم في أرض الروم فوصل مسلمة بن عبد الملك بن مروان إلى عمورية وفتحها عام 89 هـ.
وفي البحر دخل المسلمون جزيرة صقلية وميورقة عام 89 هـ.
وفي أفريقيا فقد وطد موسى بن نصير الوضع فيها وعمل على نشر الإسلام بين البربر وقد نجح في هذه المهمة فأوكل إلى نائبه عن طنجة وهو طارق بن زياد أن يدرس فتح الأندلس وأن يمهد للقيام بذلك، فدخل مدينة سبتة وكانت بيد الوندال حكام الأندلس ثم اجتاز بحر الزقاق عام 92 ودخل قرطبة وقتل حاكم البلاد (لذريق) ثم لحقه موسى ابن نصير ففتحا معا جميع الأندلس.
وعلى الجبهة الشرقية في بلاد ما وراء النهر غزا قتيبة بن مسلم الباهلي بلاد الترك وصالح ملك الترك على مال عام 87 هـ فلما رجع عنهم لم يلبث الترك أن نقضوا العهد وجدعوا أنوف الحامية فرجع إليهم قتيبة وحاصر المدينة وفتحها وفي العام التالي غزا قتيبة بلاد الترك وحمل معه (تيرك) أسيراً وقد حقق انتصارات كبيرة، ثم غزا قتيبة عام 89 هـ. بلاد الصفد ونسف وكش، وسار نحو بخارى ولم يتم له فتحها حتى عام 90 هـ ثم فتح سمرقند عام 93 هـ. ثم غزا بلاد الشاش وفرغانة حتى بلغ خوقند وكاشان وكابل ووصل إلى حدود الصين فعرض الجزية على ملك الصين فوافق على ذلك.
وهكذا كانت الجبهة التي يقاتل عليها قتيبة بن مسلم الباهلي واسعة تمتد من أواسط بلاد القفقاس إلى جنوب بحر الخزر ثم تمتد شمالاً لتتعمق في آسيا الوسطى وغدت هذه البقعة الواسعة من الأرض ضمن الدولة الإسلامية وفي بلاد السند تمكن محمد بن القاسم الثقفي من قتل «داهر» ملك السند وذلك عام 90 هـ. وتقدم في بلاده ففتح الديبل (كراتشي اليوم) عام 93 هـ. وتوسع نحو الداخل وفتح مدينة «الملتان» عام 94 هـ.
تميز عهد سليمان بن عبد الملك الذي استلم الحكم بعد وفاة أخيه من سنة 96 حتى سنة 99 هـ بعزل الولاة الذين كانوا على عهد أخيه الوليد خاصة ولاة الحجاج بن يوسف الثقفي منهم قادة الفتح الإسلامي في المشرق والمغرب والأندلس ما أدى إلى توقف حركة الفتوحات الإسلامية ذلك أن الولاة الجدد يحتاجون لبعض الوقت لتثبيت أقدامهم في ولاياتهم قبل أن يبدؤوا بعمليات الفتح. إلا أن الجبهة الشمالية التي كانت مع الروم كان الخليفة نفسه من يديرها فبقيت مشتعلة فقد جهز جيشاً كبيراً قوامه مائة وعشرون ألف مقاتل وجهز جيشاً بحرياً من أهل مصر وأفريقيا وكان عليهم عمرو بن هبيرة وكان على الجميع أخوه مسلمة بن عبد الملك وابنه داوود بن سليمان، وانتقل الخليفة إلى مرج دابق للرباط وأقسم ألا يعود إلى دمشق حتى تفتح القسطنطينية أو يموت فوافته المنية وهو هناك ينتظر الفتح كما تميز عهده بالرخاء الاقتصادي وبالتنظيم الإداري الذي عمّ البلاد الإسلامية بعد إنشاء الدواوين المختصة والاهتمام بها وتطويرها عما كانت عليه من عهد أخيه وعلى عهده أتم بناء الجامع الأموي الذي بدأ به أخوه الوليد بن عبد الملك.
وجاء عهد عمر بن عبد العزيز بعد وفاة سليمان بن عبد الملك من عام 99 هـ حتى عام 101 هـ. وكان عهداً مليئاً بالإنفاق والازدهار الاقتصادي فقد أصلح كثيراً من الأراضي الزراعية وحفر الآبار وعمر الطرق وأعدَّ الخانات لأبناء السبيل وأقام المساجد وعمل طول مدة خلافته بالقضاء على الفقر والحاجة ولم يعد لهما وجود في الدولة الإسلامية. ومن ناحية الأمراء والولاة فقد عزل الخليفة الولاة الذين يرى أنهم قد ظلموا ووقف في وجه الأمراء وأعطياتهم وطلب منهم أن يؤدوا ما في أيديهم من حقوق وعمّ الأمان والاطمئنان بين المسلمين.
ومن ناحية الفتوحات فقد عادت إلى سابق عهدها فأرسل المدد إلى الجيش الإسلامي الذي يحاصر القسطنطينية ثم أمرهم بالتراجع خوفاً عليهم من الهلاك ومن ناحية المشرق فقد ثبت وجود الدولة في تلك المناطق بعدما كانت تعمها الثورات والانقسامات. وفي الأندلس كان السمح بن مالك الخولاني يغزو فرنسا عن طريق جبال البرانس ووصل لحدود تولوز ولكن جيش النورمانديين بقيادة دوق أكتيانيا استطاع إيقافه في معركة عظيمة سنة 102 هـ استشهد فيها السمح وتولى قيادة الجيش الإسلامي بعده عبد الرحمن الغافقي الذي عاد بالجيش إلى قواعده، ومع كل ذلك فإن مدة الخلافة لم تطل لعمر بن عبد العزيز وربما لو طالت لكثرت الفتوحات ولانتشر الإسلام على نطاق أوسع إذ لم يكن هناك أية أحداث داخلية تشغل الناس عن الجهاد.
وفي عهد يزيد بن عبد الملك الذي ولي الخلافة بعد موت عمر بن عبد العزيز عام 101 هـ واستمر عليها حتى عام 125 هـ. استمر الحال على ما هو عليه من مناوشات مع الأتراك من جهة المشرق وكان قائد هذه المرحلة الجراح الحكمي أمير أرمينيا والذي غزا بلاد الغرب عام 105 هـ.
وعلى عهده قام البربر عام 121 بإمرة ميسرة الزناتي فساروا إلى طنجة وقتلوا عاملها واتجهوا إلى بلاد السوس وكذلك قتلوا عاملها هناك واستمر الحال هكذا حتى أرسل لهم الخليفة والي مصر حنظلة بن صفوان الذي استطاع أن يهزم البربر ويعيد الهيبة للأمويين في بلاد المغرب.
وعلى عهد الخليفة هشام بن عبد الملك كانت ثورة زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب على الأمويين بتحريض من أهل العراق ودعوة منهم وعندما دعاهم للقتال تفرقوا عنه وبقي معه مجموعة صغيرة فقاتلوا حتى استشهد رحمه الله. وذلك عام 122 هـ.
أما أهم الأحداث التي وقعت في عهد هشام هي موقعة بلاط الشهداء في جنوبي فرنسا فقد استلم قيادة الجيش الإسلامي في الأندلس عبد الرحمن الغافقي بعد استشهاد عنبسة بن سحيم الكلبي عندما كان عائداً من إحدى غزواته جنوبي فرنسا.
فحشد الغافقي جيشه لقتال الفرنسيين والتقوا في بواتييه التي سميت فيما بعد بلاط الشهداء وقد كانت معركة عظيمة استشهد فيها الغافقي فاختلف نوابه من بعده مما أضعف جيشه ولو كُتب النصر للمسلمين في هذه المعركة لغيرت من تاريخ فرنسا بل وأوروبا الشيء الكثير.
ثم ولي الخلافة عقب هشام بن عبد الملك ابن أخيه الوليد بن يزيد بن عبد الملك وذلك من عام 125 ـ 126 هـ فلم تطل مدة خلافته. وقد كان محباً للهو والشراب ولم يلتفت كثيراً لأمر الحكم بل عمد إلى إثارة الفتن بين القيسية واليمنية وعلى عهده ثار يحيى بن زيد بن علي على أيدي رجال نصر بن سيار.
كما أساء الوليد لأولاد عمه فحنقوا عليه واتفقوا على خلعه من الحكم وبايعوا سراً ابن عمه يزيد بن الوليد وقد كان رجلاً معروفاً بصلاحه واستطاع يزيد أن يستولي على دمشق بعدما كان يزيد قد ولى عليها خاله عبد الملك بن عمر بن يوسف الثقفي وكان هو في قصر في الأردن فبعث إليه من يقتله ويمكننا القول بأن الدعوة العباسية كانت قد بدأت بالانتشار عندما تغلغل الضعف في الحكم الأموي وساد الظلم بعض الولايات مما حمل الناس على النقم على الحكم ورجاله.
تسلم يزيد بن الوليد مقاليد الحكم بعد مقتل الوليد وقد كان رجلاً صالحاً إلا أنه لم يبق في الحكم سوى ستة أشهر فقد توفي بالطاعون، وقد اضطربت الأمور على عهده وانتشرت الفتن وتفرقت كلمة بني مروان.
فقد ثار أهل حمص يطالبون بدم الوليد بن يزيد فخلعوا أميرهم وقتلوه مع ابنه وعدّوا خليفتهم ابنه الحكم بن الوليد وساروا إلى دمشق فأرسل لهم يزيد جيشاً لملاقاتهم بقيادة سليمان بن هشام وغلبهم فبايعوا يزيد.
وكذلك ثار أهل فلسطين وبايعوا يزيد بن سليمان وبايع أهل الأردن محمد بن عبد الملك، فأرسل عليهم يزيد جيشاً من أهل الشام فأخضعهم ثم إن يزيد بن الوليد بايع من بعده لأخيه إبراهيم بن الوليد ثم لعبد العزيز بن الحجاج بن عبد الملك وتوفي بالطاعون في 7 ذي الحجة عام 126 وكان قد تسلم الخلافة في 28 ذي الحجة من العام نفسه.
وفي هذا الوقت كانت الفتن تزداد إستعاراً وخاصة بين القيسية واليمنية بعدما ولى عهد الفتوحات التي كانت تجمع الناس جميعاً. وقد كبرت هذه الفتنة خاصة في خراسان بين آل المهلب اليمانيين وجماعة نصر بن سيار الكنانيين.
وعندما وصل خبر وفاة يزيد بن الوليد إلى مروان بن محمد وهو في حران وبيعة إبراهيم بن الوليد سار نحو دمشق ومر بطريقه إلى حمص وقد رفضوا بيعة إبراهيم بن الوليد الذي أرسل إليها عبد العزيز بن الحجاج فحاصرها ولما اقترب مروان بن محمد فك الحصار عن حمص وواجه جيش مروان بن محمد وخرج أهل حمص وانضموا إلى جيش مروان بن محمد فانتصروا على جيش إبراهيم وكان مروان بن محمد ينادي لبيعة ولدي الوليد بن يزيد: الحكم وعثمان. وكانا مسجونين في دمشق وقد وصلتها فلول جيش إبراهيم بن الوليد فقتلوا الحكم وعثمان. وعندما وصلت جيوش مروان ابن محمد إلى دمشق ودخلتها هرب منها إبراهيم بن الوليد وقتل عبد العزيز بن الحجاج.
وهكذا فإن إبراهيم لم يبق في الحكم سوى سبعين يوماً فقط واستلم مروان بن محمد بن مروان بن الحكم الخلافة وكانت سنة 127 هـ. وقد استمر حكمه حتى عام 132 هـ وعندما استقر الحكم له وعين الأمراء طلب إبراهيم بن الوليد منه الأمان فأعطاه إياه وكذلك سليمان بن هشام إلا أن الفتن والثورات لم تهدأ فمن أهل حمص إلى أهل الغوطة إلى أهل فلسطين وكذلك الخوارج. ثم ثار سليمان بجنوده ضد مروان فأرسل له جيشاً بقيادة عيسى بن مسلم ثم لحقهم مروان بنفسه واستطاع هزيمته. وكانت العصبية في العراق تزداد وتكبر وإلى جانب كل ذلك كانت الدعوة العباسية على أشدها يقودها أبو مسلم الخراساني الذي شارك في إذكاء فتنة القيسية واليمنية فانضم اليمنيون إليه بعدما قتل نصر بن سيار الكرماني فزاد عدد أنصار أبي مسلم واتباعه وكان إبراهيم بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس يراسل أبا مسلم الخراساني في خراسان وكان أبو مسلم يدعو له بين الناس سراً، فجاءه الأمر بالدعوة جهراً وقد تواجه أنصار أبو مسلم مع نصر بن سيار، ثم كشف أمر إبراهيم من محمد فأرسل مروان بن محمد من يلقي القبض عليه فأحضر إليه فسجنه وقتله وكان إبراهيم بن محمد قد أوصى عند اعتقاله لأخيه عبد الله بن محمد (السفاح) وطلب منه أن يسير مع أعمامه إلى الكوفة حيث استقبلهم أبو سلمة الخلال وكتم أمرهم إلى أن انتشرت دعوتهم في البلاد فبويع للسفاح وفي هذه الأثناء كان أبو مسلم ينتزع مرو من نصر بن سيار ويلاحق جيوشه إلى أن أصبح القسم الشرقي والجنوبي من خراسان بأيدي أبو مسلم وتتالت هزائم نصر بن سيار إلى أن توفي عام 131 هـ قرب مدينة همدان.
وكان والي العراق عمر بن هبيرة من قبل مروان بن محمد فأرسل أبو مسلم قحطبة بن شبيب على رأس جيش كبير لملاقاته وجرت معركة كبيرة استطاع جيش قحطبة من الأنتصار وقام معن بن زائدة بقتل قحطبة فخلفه ابنه الحسن الذي تابع بالجيش إلى الكوفة ودخلها واستطاع قتل عمر بن هبيرة. وأما الخليفة مروان بن محمد فقد هرب إلى نهر الزاب الكبير بين الموصل وحران وخرج حيث العباسيين بقيادة عون بن أبي يزيد نحو نهر الزاب الكبير حيث التقى بمروان وانهزم جيش الشام وقتل عدد كبير من الجيش غرقاً في النهر ومنهم إبراهيم بن الوليد الخليفة المخلوع وهرب مروان ابن محمد نحو دمشق ومنها إلى فلسطين وجاء كتاب أبي العباس إلى عمه الذي اشترك في المعارك يطلب فيه إرسال صالح بن علي على رأس قوة من الجيش لمتابعة مروان وهرب مروان إلى مصر ولحقه صالح حتى قتله في كنيسة أبي صير في 6 ذي الحجة عام 132 هـ وبمقتل مروان بن محمد زالت الدولة الأموية وقامت دولة بني العباس.

تعليقات الفيسبوك :